البلدة صفحات من تاريخ الحدت
 
تاريخ بلدة الحدت
 
 
أرسل الى صديق أطبع Share
 
 

بقلم الدكتور مارون يوسف يزبك 
الحدت في 11 أيار 2007

 

 

من الطبيعي في بادىء الأمر أن نبحث في إسم البلدة.

فقد إختلف المؤرخون حول أصل كلمة الحدت ، وإن أجمعوا على أنها كلمة سامية سبقت اللغة العربية التي دخلت هذه البلاد مع الفتح العربي.

فمنهم من قال إن كلمة حدت تأتي من Hatta السريانية وتعني جديد، ومنهم من قال أنها تعني "بيت البنّاء" أي المعمرجي.

أما المرحوم والديالمؤرخ والأديب يوسف ابراهيم يزبك ) فكان يقول إن " إسم بلدتنا في الأصل هو حاداد وهي كلمة آرامية معناها الواحد، من أسماء "بعل" الذي عبده الأقدمون من سكان بلادنا. والمعروف أن الآرامية كانت لغة الفينيقيين منذ القرن الرابع قبل الميلاد. ثم حُرّف الإسم فصار حدد".

ويضيف الوالد :  " وفي صغري سمعت معمرّي الضيعة والعربجية من أبنائها، وهم في ساحة الشهداء في بيروت ينادون الآتين إليها، يلفظون إسمها : الحدِد (بكسر الدال الأولى). وتوالت السنون فحُرّفت الحدد الى الحدت (بالتاء ذات النقطتين فقط).

أما تعريبها بالثاء المثلثة النقاط، فسامح الله من أدخلها عليها. وألهم من يستعملها  خطأ.  

هذه بلدتنا. فإن لم  نستطع المحافظة على طابعها  البيئي والتراثي بسبب تكاثر السكان، فلنحافظ على الأقل على الإسم الذي أورثنا إياه آباؤنا.

على أية حال، فإن قلنا إنها سريانية أم آرامية (والسريانية هي اللغة الآرامية بالذات) فإن التسمية تدل على الأصل الفينيقي للبلدة.

على أننا لا نعرف عن هذه البلدة الفينيقية سوى أنه يقال إن كان فيها  معبد  للإله  بعل، وإن أهلها، على وثنيتهم، كانوا يوحّدون الله.

ولكن الأمر الذي لا يقبل الشك فهو أن البلدة كانت قائمة في العهد الروماني، إذ أن الحفر في بعض أراضيها ــ وبخاصة في طريق صيدا بين عين الضيعة والوروار كشف عن آثار رومانية من نواويس وأوان نحاسية وخزفية ونقد روماني قديم.

وقد روى المرحوم إبرهيم فارس نمر أن الحكومة العثمانية، قبيل الحرب العالمية الكبرى، نقلت إلى إسطنبول تمثالاً رومانياً رخامياً مقطوع اليدين عُثر عليه ما بين دكاكينه ومعصرة المرحوم الشيخ طانيوس الخوري كرم أثناء شق الطريق المذكور

وإذا كانت الحدت قائمة في العهد الروماني فإن الزلزال الذي ضرب بيروت سنة 551 م ضربها أيضاً. كما نالها الحريق الذي طال الساحل الفينيقي سنة 56 م  إبتداءً من أنطاكية وحتى الجنوب، مروراً ببيروت وجوارها.

أما عن الزلزال الشهير الذي حدث سنة 551 فيقول المؤرخون إنه أغرق معظم بيروت وجوارها ــ أي الحدت أيضاً ــ وتركها أطلالاً لا يعترض الناظر إليها إلا أكواماً من الحجارة والأنقاض المتشابكة.

وكما أن بيروت قد أصبحت مدينة مسيحية قبل حلول هذه الكوارث فإننا نظن أن سكان الحدت قد تحولوا إلى هذه الديانة مع سكان الجارة الكبرى.

ثم كان الفتح العربي في القرن السابع الميلادي.

جاءت من بعده الحروب الصليبية حيث إحتل الأوروبيون بيروت، والحدت بالطبع، في القرن الثاني عشر. ثم ما لبثت أن سقطت المنطقة في يد المماليك إلى أن فتح السلطان سليم الأول مصر وإحتل العثمانيون بلاد الشام سنة 1517.

ومنذ ذلك الحين ظلت بيروت في أرجوحة الظروف، تتقاذفها الأيام من بؤس الى رخاء وبالعكس، حتى مطلع القرن التاسع عشر.

وكان من الطبيعي، وبحكم الجوار، أن تتأثر الحدت بالتأرجحات التي مرت بها بيروت.

ولم يأت المؤرخون على ذكر بلدتنا إلا في القرن الرابع عشر أيام التنوخيين، على كونها إقطاعاً للأمراء الأرسلانيين الذين قدم أجدادهم من بلدة المعرّة في أوائل القرن التاسع الميلادي، وإستقرّوا في منطقة الشويفات. فعمّروا البلدة وسط منطقة زراعية عرفت فيما بعد بصحراء الشويفات وكانت تضم سقي الحدت، ولم يكن فيها حتى أوائل القرن الثامن عشر إلا قليل من السكان، كانوا مزارعين يعملون في الأراضي التي يملكها الإقطاعيون من بني أرسلان الدروز.

وسنة 1770 توفي الأمير إسماعيل بن يوسف بن سليم أمير الغرب الأرسلاني في عين عنوب وكان عمره ست وثمانون سنة. ولما كان بلا عقب إستولى الأمراء الشهابيون على عقاراته في الساحل ومن ضمنها الحدت. وهكذا تكون البلدة قد إنتقلت من إقطاع الأرسلانيين إلى إقطاع الشهابيين.

لا بد أن نتوقف قليلا ً عند معنى "الإقطاع" الذي ساد عهد الإمارة اللبنانية وكنا خاضعين له.إنه نظام إجتماعي وسياسي يرتكز على منح أرض واسعة تضمّ قرى عديدة يكون صاحب السلطان قد أقطعها، أي منحها، إلى رأس أسرة معينة لقاء أدائه إلتزامات عرفية تتلخص بوفاء "مال الميري" كل سنة.

وكان جبل لبنان موزّعاً بأقاليمه المختلفة إلى إقطاعات منفصلة تحكم كلا ً منها أسرة كبيرة حكماً وراثياً. وكانت هذه الأسر تعرف بالأسر المقاطعجية التي كان على رأسها أمير الجبل.فكان المقاطعجي يحكم إقطاعه مباشرة تحت إشراف الأمير ومراقبته. وكان يعود إليه أمر الحفاظ على الأمن والسلام في مقاطعته، ويحكم في المنازعات القضائية، ويجبي الضرائب ويؤدي مبلغاً مقطوعاً منها للأمير ويحتفظ بالقسم الآخر لنفسه. كما أنه كان عليه أن يشكّل ويجهّز قوة من المقاتلين من سكان المقاطعة يضعها بتصرف الأمير عندما تدعو الحاجة.

في عهد الإقطاع زمن الإمارة وخاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر راحت الأسر المسيحية تتوافد من شمال  لبنان إلى جنوبه لتعمل في زراعة الأراضي التي كانت تخص الإقطاعيين الدروز. كما أنها راحت تهتم بتربية المواشي والعمل في المهن الحرفية التي كانت تحتاجها المناطق الجنوبية.
ومع حركة النزوح هذه، ومنذ أوائل القرن الثامن عشر وفي فترة إقطاع الأرسلانيين ومن بعدهم الشهابيين بدأت بعض الأسر التي ما زالت قائمة حتى اليوم، تستوطن الحدت.وإني أستعين هنا بمؤلف الموسوعة اللبنانية للأستاذ طوني بشاره مفرّج لأعدد الأسر الأولى التي إستوطنت الحدت منذ القرن الثامن عشر.

يقـــول مفـــرّج :
إن عائلة جاموس، هي أول من سكن منطقة الحدت من مجتمع البلدة، ولقد  قدم أجدادها من قرية بجة في بلاد جبيل، وتغلّب عليهم هنا لقب الجاموس على إسم الأسرة الأصلي، وهو أسرة سعادة المارونية. ثم قدم بنو البرباري الأرثوذكس من قرية البربارة في شمال لبنان، وسكنوا منطقة سبنيه

ثم قدم بنو شرفان الموارنة من قرية حاقل في بلاد جبيل. ثم بنو كرم الموارنة من عمشيت،  وبنو الأسمر  من حبالين. ثم قدم بنو الصايغ الموارنة من معاد في بلاد جبيل، وتفرع منهم عيال يزبك وطراف وديب ونادر ونمر. وفي أزمنة متلاحقة، قدم  إلى  البلدة من العيال المارونية:  بنو مطر من لحفد، وصالح من دفون، والكلاّب من عمشيت وأبو خليل من ميروبا، وإسحاق من غزير، وباسيل من معراب، وياغي من حصرايل، وعون من جزّين، وبعقليني من الشوير، والمر من بتغرين، وشبلي وأبو صالح من برج البراجنة، وخليفة من وادي شحرور. وفي "سنة 1744 قدم منصور الشدياق بأقاربه إلى الحدت" وأصل هذه الأسرة من عشقوت، من بني مسعد. كما سكن الحدت من الأسر الأرثوذكسية، بنو مجاعص وبنو صوايا من الشوير، وعرفوا ببني شويري، كما عرف فرع من بني صوايا ببني حداد الذين إنتقل فرع منهم إلى طائفة الروم الكاثوليك. وقد فرع منهم أسرة الدباس

وجاءت أسرة الكعدي من أوسايا وعرف أبناؤها بآل الخوري، كما جاء بيت العراموني من عرامون الغرب.

يتوقف تعداد الأستاذ مفرّج لأسماء الأسر الحدتية عند هذا الحد،  إذ أن لائحته تتضمن موجتي النزوح الأولى والثانية. إلا أن هنالك موجة نزوح ثالثة في القرن التاسع عشر ورابعة في القرن العشرين وتضم كل العائلات العريقة بلبنانيتها والموجودة بيننا، ولا مجال هنا لتعدادها. فكلنا نعرف بعضنا البعض ونفاخر بإنتمائنا الحدتي.

ويجب التشديد هنا، على أن الأسر الحدتية الأقدم عهداً كانت ترحّب دائماً وتفتح قلبها للأسر التي تأتي من بعدها، وتقيم معها علاقات إجتماعية ومصاهرة أصبحت تقليداً وعرفاً حتى يومنا هذا.

وتلاحظون أن معظمنا ننادي بعضنا "بالعم" أو "بالخال".

وأظن أن الوافدين على الحدت لم يشعروا يوماً بأي تمييز ينالهم. فالحدتيون يعتبرون أن كل من إستوطن الحدت وأخلص لها صار من أهلها.كما أن الخصومات السياسية والحزبية لم تتحوّل أبداً عندنا إلى عداوات شخصية كما يحصل عند غيرنا أحياناً. فاحترمنا دائماً حرية الرأي عند الآخر وحافظنا على العلاقات العائلية الحدتية الأصيلة.

وكان بعض الأمراء الشهابيين قد سكن الحدت بعد المنتصف الأول من القرن الثامن عشر وراحوا يبنون لهم الدور والقصور في البلدة التي اصبحت مركز ثقل في البلاد بعد أن جعلها الشهابيون مقراً لهم. وكان أولهم الأمير سيد أحمد ملحم حيدر الكبير. فحازبه أبناء الحدت وأخلصوا له. ثم إنتقلت المحازبة والإخلاص منهم إلى ولديه فارس وسلمان.

وصار من أمرهم أنهم إن إنتصر الأمير الذي يؤيدونه فرحوا فرح القرعاء بشعر جارتها !!؟ وإذا إنكسر ذلك الأمير ــ وكثيراً ما رافق النحس أمراءنا ــ نال الحدتيين إنتقامُ خصم أميرهم. وكان الإنتقام دائماً فتاكاً ذريعاً.

وإلى جانب الأمير سيد أحمد ملحم وولديه سلمان وفارس اللذين فقأ  نسيبهما الأمير بشير الكبير عيونهما، إستوطن الحدت من الشهابيين قاسم ملحم وولديه بشير الثالث (بو طحين) وعبدالله، وقاسم عمر والد بشير الثاني (الكبير)، وقد توطنها مدة ثم نزح منها إلى غزير.

ومثل جميع أبناء الشعب في ساحلنا المتني عاش الحدتيون "شركاء" في مزارع الشهابيين يمتثلون للقواعد والتقاليد التي كانت ترعى عهدَ الإقطاع . وبقيت الحال على ذلك النظام إلى أن أعلن البروتوكول الدولي سنة 1861 الذي ألغى الإمتيازات الإقطاعية وسوّى بين جميع المواطنين.
أما أعرق الأسر الحدتية وأشهرها في تلك الحقبة ــ ولا أظن أن أحداً يخالفني الرأي ــ فكانت أسرة آل الشدياق التي تستحق أن نتوقف عندها نظراً لإرتباط تاريخها بتاريخ المنطقة.

يبدأ تاريخ الشدايقة معنا سنة 1737 (وليس 1744 كما ذكر الأستاذ مفرّج) يوم جاء منصور الشدياق ببعض أقاربه من عشقوت إلى الحدت هرباً من جور ألّمّ به. وكانت بلدة الحدت عبارة عن مزرعة قليلة السكان ليس فيها أكثر من ثلاثين أو أربعين بيتاً وكنيسة السيدة لم تكن قد بُنيت بعد. ولم يكن كذلك في جارتنا بعبدا إلا بعض أفراد من أخواننا آل الحلو. ومنذ سنة 1755 أصبح الشدايقة مدّبرين للأمراء الشهابيين.

وتوالت السنون، فنال بنو الشدياق عزّاً كبيراً وبلغوا من المجد ذروته. إلا أنهم ذاقوا صُروف الدهر أيضاً ... وكانوا إذا هبت رياحهم يصبحون الحكام الحقيقيين. أما إذا عبس لهم القدر قطعت أشجارهم وسلبت بيوتهم ...

وتعاقبت الأجيال، فلمع رجالهم، وكانوا مفخرة للحدت وللحدتيين.لمعوا فرساناً ومدبّري حكّام. كما لمعوا عباقرة وأرباب أقلام في خدمة العلم والأدب.وهنا نذكر منهم الشيخ طنوس الشدياق صاحب كتاب أخبار الأعيان في جبل لبنان الذي يُعتبر أهم مرجع لتاريخ لبنان حتى أواسط القرن التاسع عشر.كما نذكر مفخرة العروبة في الشرق والغرب أخاه الشيخ فارس الشدياق صاحب كتاب "الساق على الساق" وأول لبناني سخر بأصنام الإقطاعية، وكان إمام اللغة العربية وقيدوم نهضتها.وكذلك المدبّر يوسف الشدياق مؤسس المدرسة الأنطونية الحديثة ومنشىء مجلة "كوكب البرية" صوت الأحرار في عهد المتصرفية. وكان صاحب المشاريع العمرانية في المنطقة وقد جلب مياه عين الدلبة إليها.  ... وغيرهم وغيرهم.

وفي عودة إلى الشهابيين، فإن وجودهم في الحدت، وإن كان عامل إزدهار للبلدة وتقدمها، فلقد عرّضها في المقابل لأحداث سياسية دامية.

هذه الظاهرة كانت شبه عامة بالنسبة للبلدات التي جعلتها الأسر الإقطاعية الحاكمة مركزاً لها. إلا إنها كانت أشد وطأة بالنسبة للحدت التي كانت موضع نزاعٍ بين الشهابيين أنفسهم من جهة، وبين الشهابيين والأرسلانيين أصحاب الإقطاع في الغرب المجاور من جهة أخرى.

ومن الأحداث التي تعرّضت لها الحدت بسبب النزاع الشهابي ــ الأرسلاني، أنه في سنة 1807، وفي خلال مأتم أحد الشهابيين في الحدت وقع خلاف بين أهالي الحدت وأهالي الشويفات الذين كانوا يرافقون بعض الأمراء الأرسلانيين، وحصل تضارب. وما لبث أن تحوّل هذا التضارب إلى تراشق بالحجارة وتبادل إطلاق نار وإلى حرب حقيقية بين الجهتين أدت إلى إحراق بساتين الأرسلانيين في منطقة الشويفات بأمر من الشهابيين. وبقيت العداوة قائمة بين الطرفين لمدة طويلة من الزمن، وكان سيدفع أهالي الحدت الثمن في الأحداث المشؤومة التي وقعت عام 1841.ففي تلك السنة وقعت حرب ضروس بين الدروز والمسيحيين في كل مناطق جبل لبنان. وشارك فيها بعض الشيعة إلى جانب الدروز، ممّا قوّى شوكتهم، ناهيك عن خيانة بعض الأمراء الشهابيين الذين إنحازوا إلى جانب الدروز، فانكسر النصارى وانهزموا إلى بيروت.ولما رآهم الشيعة وبعض الجنود العثمانيين منهزمين أطلقوا الغارة على نهب الحدت. ثم لحقهم الدروز وأمعنوا بنهب ما تبقى وأحرقوا ربع بعبدا وسبنيه وبعضاً من دور الأمراء والمساكن في الحدت. وإستغل الجنود العثمانيون الفرصة فأجهزوا على الكنائس وراحوا يشنّعون فيها ويكسّرون الأجراس. (الشدياق ص 488).

أدت أحداث سنة 1841 إلى خلع الأمير بشير الثالث، وهو من شهابيي الحدت وكان قصره في سبنيه. فعيّن حاكماً على الجبل ضابط ّ عثماني هو عمر باشا النمساوي، وإعتبرت الدولة العثمانية لبنان تابعاً مباشرة للباب العالي كسائر الولايات.ولكن بناءً على إحتجاج الدول الأوروبية، وخاصة فرنسا، وإعتراضها على هذا العمل الذي إعتبرته متنافياً مع الكيان اللبناني وإمتيازاته، خاصة بعد أن كان لبنان قد توّصل إلى تحقيق ذاتيته السياسية في عهد الإمارة نتيجة نضال طويل، عُمد إلى تقسيم الجبل إلى قسمين. سمّي كل قسم منهما بالقائمقامية: واحدة درزية والثانية مسيحية، يفصل بينهما طريق بيروت ــ دمشق.

وكان الهدف من هذا التدبير الفصل بين الدروز والنصارى جغرافياً وإدارياً لمنع الإحتكاك بين الطرفين. لكن هذا النظام أبقى عدداً كبيراً من المواطنين تحت سلطة قائمقام من غير دينهم كالجماعات العديدة من المسيحيين في القائمقامية الدرزية، لا سيما في الشوف، وعدد لا بأس به من الدروز في القائمقامية المسيحية، خاصة في المتن. مما سيؤدي بعد وقت ليس ببعيد  إلى حرب أهلية ثانية سنة 1845، شارك أهالي الحدت في الكثير من معاركها.

وعلى الرغم من موقعها في القسم الجنوبي فإن الحدت، وكذلك سائر ما يسمى بساحل النصارى، ألحقت بالقائمقامية المسيحية. فلم تكن تحت حكم الأمير أحمد أرسلان قائمقام الدروز بل خضعت إلى الأمير حيدر أبي اللمع الذي عُيّن قائمقاماً على النصارى.

جرّت أحداث 1845 الويلات على المنطقة. وكان لبلدتنا نصيب وافر منها.

ولمّا كان الشيخ طنوس الشدياق شاهد عيان شارك في هذه الأحداث، فقد روى الكثير منها في مؤلفه "أخبار الأعيان"، (ص 531).

يقول: بعد أن خمدت الفتن نسبياً في هذه المنطقة، عزل أسعد باشا وتولى عوضه وجيهي باشا، كان ذلك في العام 1845، وسرعان ما تجددت الفتن واشتدت العداوة بين النصارى والدروز، فبدأ قطع الطرق والسلب والقتل.وكان كلما تقدم لوجيهـــي باشا شكوى من الدروز على النصــارى، يرسل عسكراً لقصاص النصارى. فوضع في عبيه 100 عسكري، وفي كفرشيما 100 عسكري، وفي الحدت 50.

تجاه هذا الجور، عزم النصارى على الحرب."وفي أول آذار، بدأت المعارك بهجوم الدروز على المسيحيين في مناطق الجرد. وفي اليوم الثاني، توجه أهل الساحل ومن بينهم أهالي الحدت إلى قتال الدروز في الغرب الأعلى، فلحقهم القائد المقيم في كفرشيما إلى أرض الجمهور وصدهم. أما الدروز، فكتبوا إلى الشيخ ناصيف النكدي في حوران، يخبرونه عن نهوض النصارى ضدهم، ملتمسين منه أن ينجدهم بالرجال.

وكتبوا إلى الشيخ خطار العماد ملتمسين منه المعونة، وفي اليوم الثاني تجمعت الدروز في المتن، وقصدوا نصارى حمانا والشبانية ورأس الحرف وبعض دساكر المتن، فانهزم النصارى وأحرق الدروز مساكنهم وقتلوا منهم جماعة ونهبوا دير الكحلونية وأحرقوه وقتلوا ثلاثة من رهبانه. وفيه، نهض الأمير قيس ملحم لمحاربة دروز الغرب الأعلى بمائة وخمسين رجلاً من بعبدا وبعض أنفار من الجرد ومعه أخوه الأمير حيدر. ولما بلغ الأمير سلمان ذلك، نهض لمعونته بمائة رجل من الحدت، ومعه ولده الأمير قاسم والأمير فارس أسعد. ولما شاهد أهل كفرشيما انطلاق الرجال، انساب منهم بعض أنفار من دون علم القائد، إلى محاربة دروز عين عنوب، وتوجه الأمير أحمد سلمان ومعه طنوس الشدياق وبعض أنفار نحو الساحل الأدنى. غير أن الدروز استظهروا في النهاية على هذه الجماعة من النصارى، فقهروا أفرادها إلى بعبدا، ونهبوا الوادي وأحرقوا بعض البيوت في بعبدا. وانحدر الشيخ حسين تلحوق إلى دار الأمير فارس في حارة الحدت، ومنع قومه من الحريق.

أما الأمير يونس، الذي انقطع عن قومه، فقد هرب إلى عاريا بفارسين، ثم ظل سائراً نحو أرض الحازمية، وعاد راجعاً إلى الحدت، فأخذ بعض أنفار من البلدة وتوجه إلى بعبدا بجماعته لكف الدروز
فلما أقبل، انكفأ الدروز إلى الغرب، وأخذ عسكر الهوارا ينهب ويشنع بالكنائس. غير أن النصر كان من حليف النصارى في الجرد فأحرقوا ونهبوا بعض قرى للدروز، وطردوهم من حمانا وفالوغا وحتى من كفرسلوان".

وظلت الأجواء مضطربة بين الدروز والمسيحيين إلى أن وقع الزلزال الأكبر الذي عمّ البلاد سنة 1860.لن ندخل في أسباب وتفاصيل هذه الأحداث بل نكتفي ببعض ما يهم منها الحدت ومنطقتها

جاء في "كتاب نوادر الزمان في ملاحم جبل لبنان سنة 1860"، وهو مخطوطة في الجامعة الأميركية لمؤلفهـــا إسكندر Abakarius، أن طانيوس شاهين كان قد أرسل قوة صغيرة من ثلاثمئة رجل لحماية الشهابيين.ولكن ما إن إنسحب الكسروانيون من بعبدا، حتى إنقض الدروز بغتة على البلدة والحدت وجوارهما بقوة كبيرة، يقودها آل تلحوق وآل أبي نكد من مشايخ الغرب. وقيل أن الجنود الأتراك في الحازمية أطلقوا مدفعاً، إشارة لهم بالهجوم. كان ذلك في 30 أيار. ولم يكن عند أهل المنطقة إستعداداً كاف لصد الهجوم. فهربوا إلى بيروت، ونهب الدروز بيوتهم وأرزاقهم، واشترك جنود الباشي بظق كالعادة في النهب والسلب وفتكوا بعدد من الهاربين النصارى، ولم تمض ساعات حتى كانت قرى المنطقة جميعها طعاماً للنيران.

أدى هجوم الدروز على بعبدا والحدت الى وقوع خسائر فادحة بالممتلكات، لا بالارواح. إذ إقتصرت الضحايا على بضعة مسيحيين ممن هربوا من قراهم الى بيروت. هؤلاء سقطوا قتلى في الطريق بيد الدروز أو جنود الباشي بظق. وكان بينهم بعض الأمراء الشهابيين من الحدت، وفي جملتهم بشير الثالث، وهو إذاك كفيف البصر، في الخامسة والثمانين من العمر، ونقلت جريدة التايمز اللندنية ، في 27 تموز، كيفية مقتله، فقالت : فيما كان خدمه يقودونه من بيته هوجم، ففر الخدم تاركينه لوحده. عندئذ ذبحه المهاجمون وقطعوا جسده بالسيوف. وكانت هذه الواقعة في سقي الحدت.

وكان من نتائج إحراق القرى في المتن وبعبدا والحدت وجوارها أن إمتلأت بيروت    " بجماهير المشردين التعساء، ممن افترشوا الأرض تحت الأشجار في كل مكان، بعضهم جرحى، وبعضهم عراة، وكلهم في أحط دركات البؤس ". وفوجىء المستوطنون الأوروبيون في بيروت بذلك السيل المباغت من المشردين، فنظموا في الحال برنامجاً لمساعدتهم. ثم سارعوا الى طلب المعونة من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، فيما صعد قناصل الدول الأوروبية في الأول من حزيران الى الحازمية للإحتجاج لدى خورشيد باشا على سلوكه الغريب. فألحوا عليه بأن يتدخل لإيقاف النزاع.

أما عن أسباب تقهقر النصارى أمام الدروز، فيقول كمال الصليبي في كتابه " تاريخ لبنان الحديث": " كان النصارى أكثر عدداً من الدروز. وكانوا على العموم أنداداً لهم في الشجاعة والإقدام. ولم يجهل الدروز هذه الحقائق، ولعل هذا ما جعلهم يهاجمون قرى النصارى على حين بغتة ، وأحياناً كثيرة بالخدعة. وكانوا يتخوفون أشد التخوّف من  أن يأتي النصارى مدد من مناطق الشمال. غير أن النصارى، على الرغم من تفوقهم في العدد وبسالتهم كأفراد ، لم يكونوا على شيء من التنظيم الحقيقي
ولم يكن عندهم ثقة بزعمائهم الأنانيين، المفتقرين الى المقدرة والكفاءة، المتخاصمين أبداً في ما بينهم ، المستعدين دائماً للمساومة على القضايا العامة من أجل نفعهم الخاص. ولم يكن عند النصارى أي ميل للانضباط. وكان هذا من حسن طالع الدروز " أنتهى كلام الصليبي.

 

 

المتصرفية 
أدت أحداث 1860 الى تدخل الدول الاوروبية الكبرى وهي فرنسا وانكلترا والنمسا وروسيا وبروسيا لانقاذ الوضع.

وكانت الدولة العثمانية قد أوفدت وزير خارجيتها فؤاد أفندي لقمع الحوادث ومعاقبة المسؤولين. فأوفدت الدول ممثلين عنها للاشتراك مع فؤاد أفندي ليس فقط في التحقيق حول الاضطرابات وتعيين المسؤولين ومعاقبتهم والتعويض على الضحايا، إنما بالأخص للاتفاق معه على الحلول المفترضة للمسألة اللبنانية.

فتألفت لجنة مشتركة ضمّت ممثلين عن الدول الاوروبية والسلطنة العثمانية. عقدت اللجنة اجتماعات عدة في بيروت أسفرت عن إلغاء نظام القائمقاميتين ووضع نظام جديد يقوم على أساس إعادة توحيد الجبل.

وبالفعل توصلت اللجنة الى وضع نظام سنة 1861 ما لبث أن عدل سنة 1864 وهو المعروف بنظام البروتوكول أو نظام المتصرفية.

وكان من أهم آثار هذا البروتوكول الذي وحّد الجبل أن وطّد الصفة الدولية للبنان وخطى خطوة نحو الديمقراطية: فأعلنت المادة الخامسة منه " مساواة الجميع أمام القانون وإلغاء جميع الامتيازات الإقطاعية " وخطى لبنان خطوة أخرى نحو الديمقراطية إذ صار أهله ينتخبون ممثليهم. وهذا فاتحة في المشرق كله. فكانت كل قرية تنتخب شيخ صلحها، ويجتمع مشايخ الصلح في كل قضاء لانتخاب ممثليهم أعضاء مجلس الإدارة المركزي الكبير الذي كان بمثابة برلمان ذلك الزمان.

وقد انتخب المرحوم الياس الشويري من الحدت ليكون نائباً عن المتن في هذا المجلس ( للمقعد الارثوذكسي )

وكان عهد المتصرفية بشكل عام عهد حرية وازدهار. وكان من الطبيعي أن تنعم الحدت بهذا الجو من الازدهار الذي عرفته البلاد، خاصة وأن في هذا العهد بدأت  ملكية الأراضي تنتقل الى الأهالي بعد أن كانت ملكاً للشهابيين الذين آلت اليهم من الارسلانيين

وما لبث أن أطل القرن العشرين حتى كانت معظم الاراضي في الحدت ملكاً لعامة الناس.وجاء هذا التحوّل على أوجه عدة :
ـ إما بأن يعطي الإقطاعي قطعة من الأرض الى الفلاح كي يبني له مسكناً، ويتمكن من تربية مواشيه، على أن يسدد الثمن لاحقاً وبطريقة عينية.
ـ وإما بأن يهب الإقطاعي أرضاً لأحد خاصته مكافأةً على خدمة هامة قدمها له.
ـ وإما راح اٌطاعيون يبيعون أراضيهم الى فلاحين أصابوا شيئاً من الثروة بفضل قيامهم بأعمال تجارية ، وخاصة في ميدان الحرير.

وقد استطاع بعض المواطنين من تجميع الثروات بفضل سكة الحديد التي مرت بالحدت حيث أقيمت لها محطة سنة 1862 وهي ما تزال قائمة حتى اليوم وإن كانت لا تعمل. فقد استفاد بعض الأهالي من هذه المحطة للقيام بعمليات تجارية رابحة سمحت لهم بشراء الأراضي من أصحابها الشهابيين.

وكان أصاب الحدت شيء من العز منذ بداية عهد المتصرفية. فلما عيّن داوود باشا متصرفاً على جبل لبنان إتخذها موطناً له. فأقام في قصر الأمير أفندي قعدان شهاب من سبنيه، وهو قصر بشير الثالث بالذات، الذي انتقل بالارث الى إبنته الست عليا الشهيرة زوجة الأمير أفندي.

وصارت الحدت عاصمة لبنان في عهد متصرفية رستم باشا ( 1883ـ1873 ) الذي نقل اليها جميع دوائر الحكومة.كما كان منزل عبدالله الشدياق الذي ما يزال قائماً يشرف على كوع المدبر، أول برلمان عرفه لبنان إذ كان المكان الذي اجتمع فيه أول مجلس إداري سنة 1862. كما إتخذ المتصرف نعوم باشا الحدت مسكناً له.

وكذلك فعل المتصرفون الاتراك من سنة 1915 الى سنة 1918 علي منيف بك واسماعيل حقي بك وسليمان ممتاز بك الذين أقاموا فيها طوال أيام حكمهم في سني الحرب العالمية الاولى.

الى ذلك ، فان التقسيم الإداري في عهد المتصرفية كان أنشأ سبعة أقضية وقسم الأقضية الى مديريات. وشكل ساحل النصارى مديرية من مديريات قضاء المتن. وكان هذا الساحل بدوره مقسوماً الى قسمين: الساحل التحتاني المشتمل على قرى الشياح والغبيري وحارة حريك وبرج البراجنة والمريجة وتحويطة الغدير والليلكي   ( وهذه معروفة اليوم باسم الضاحية الجنوبية ) والساحل الفوقاني الذي يضم بعبدا والحدت ( بما فيها سبنيه وحارة البطم ) وكفرشيما وبطشاي ووادي شحرور.

وكانت الحدت مركز هذه المديرية التي تولاها دائماً شهابيون من الحدت ولا سيما الأمير حارس فارس شهاب.

وكان قصر الأمير فارس سعيد أحمد شهاب والد الأمير حارس في حارة البطم، وهو اليوم مقر السفارة الاسبانية ، كان مقراً لهذه المديرية ويستعمل قسم منه كسجن لتوقيف من كان يقبض عليهم لأفعال جرمية ، نظراً لكون المدير مسؤولاً عن حفظ الأمن في المديرية.

وفي عهد متصرفية مظفر باشا (1907 ـ 1902 ) أسس عبود أبو راشد وأنطوان كنعان المطبعة الشرقية في الحدت. كما أنشأ فيها عبود أبو راشد ذاته جريدة النصير ذات المواقف اللبنانية الجريئة وقد عهد بتحريرها الى جريس الخوري كرم الحدتي فشبلي الملاط ومارون عبود.

وصدرت في الحدت أيضاً جريدة البيرق لمؤسسها الشهيد اللبناني فاضل عقل الذي كان يعد الحدت موطنه الثاني.

وصدرت أيضاً في دير القديس أنطونيوس للرهبان الأنطونيين مجلة كوكب البرية لمؤسسها المرحوم المدبر يوسف الشدياق الحدتي، وقد عاشت من العام 1910 الى العام 1914 حيث أوقفها العثمانيون الذين دخلوا الحرب في هذه السنة المشؤومة الى جانب ألمانيا وإيطاليا.

لن نعدد مآسي هذه الحرب الكونية، إذ أنها عمّت لبنان وأصابت كل اللبنانيين. حسبنا القول أن الحدت دفعت فيها ضريبة باهظة إذ راح ضحية المجاعة مئات من أولادها، أربعة مئة منهم محفوظة أسماؤهم في سجلات رعية سيدة الحدت المارونية.

وبالعودة الى دير مار أنطونيوس ، نقول أنه كان أول دير ماروني يقام في المنطقة الممتدة من بيروت الى حدود الداموروكان تأسيسه سنة 1745 عندما شاء بيت أبي ياغي الحلو من بعبدا تشييد دير لبناتهم اللواتي يرغبن في العيشة الرهبانية كما هي الحال بالنسبة الى بعض الأسر المارونية العريقة في جبل لبنان. وكان يقتصر الدير في أول عهده على بعض البيوت الخشبية وكابيلا صغيرة خشبية أيضاً، وما يملك من توت وكرم وتين وسليخ كما جاء في تاريخ الرهبنة للمؤرخ الانطوني الأب عمانوئيل عبيد البعبداتي سنة 1896. فتكون الأرض التي شيّد عليها الدير في الأساس ملكاً لوجهاء من بعبدا. ولكن هذه الأملاك كانت تقع ضمن حدود الحدت. وقد عمد الرهبان الانطونيون بعد أن تسلموا الدير سنة 1764 الى شراء الأملاك من حارة البطم والخريبة والحدت الضيعة وسبنيه وبطشاي وكفرشيا وغيرها، وذلك بهدف تعزيز الدير وخلق إطار رسولي ومعيشي له. وهذا ما أوجد على مرّ الايام الحي الذي يعرف اليوم باسم الانطونية

وطالما نحن في مجال العلم، فلا بد أن نذكر أنه منذ عهد الإمارة، وبالتحديد في العام 1830 فتحت أول مدرسة بالمعنى الحديث أبوابها في الحدت ، وكانت مدرسة السيدة التي يذكرها العديد منا ويترحم على كل من غاب عنا من قيّمين عليها ومعلمين.

كما نذكر بغصة في القلب ودمعة في العين الكنيسة القديمة. وقد بنيت سنة 1765 في عهد البطريرك طوبيا الخازن على أنقاض كنيسة مندثرة لا نعرف عن تاريخا شيئاً. ولكن الأنقاض تؤكد الترجيح بأن الحدتيين إعتنقوا النصرانية في العهد الروماني.

وكانت باحة كنيسة السيدة مدفناً للأسر الحدتية حتى أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن تنتقل هذه المدافن الى المكان الذي نعرفه اليوم. كما كانت ساحتها مسرحاً لمباريات تربيع الجرس وقيمة المخل والمسرحيات والمحاضرات والمناسبات الدينية والوطنية وقد تعاقب على خدمتها في النصف الاول من القرن العشرين :
الخوري شكرالله عون الزعيتري
الخوري بطرس يزبك
الخوري بولس كرم
الخوري يوسف شرفان
الخوري بطرس الحاقلي
الخوري حبرايل العضيمي
القس نعمةالله شقير الانطوني
القس عمانوئيل عطالله الانطوني
الخوري طانيوس ابي ياغي
الخوري لويس كرم
المونسنيور فرنسيس مطر

 

 

البلدية
وفي أيام المتصرفية أصدر مظفر باشا سنة 1897 تعليمات في تنظيم اللجان البلدية. وقد جاء فيها أن مجلس الادارة الكبير هو صاحب السلطان في تعيين هذه اللجان ومراقبة سير عملها ... وأن كل قرية تملك واردات كافية لاجراء الترتيب والاصلاح، لها الحق في أن تطلب الى مجلس الادارة تعيين لجنة بلدية فيها.

وكان من حظ الحدت أن عيّن فيها في تلك السنة بالذات، أي سنة 1897 هيئة قومسيون، أي مجلس بلدي وكان برئاسة الامير حارس شهاب (وكان مدير الساحل) وعضوية كل من : الياس سمعان الشويري وحنا فرح الجاموس ونجيب شهاب وأسعد شديد البرباري ونقولا حبيب الشويري وسليمان يوسف الحاج وابراهيم الشدياق. وقد تولى رئاسة البلدية بعد حارس شهاب ، وأذكر هنا الذين غابوا مع حفظ الألقاب : فريد عبدالله شهاب ـ فؤاد الخوري ـ بشارة الخوري كرم ـ نسيب باز ـ أديب الشدياق ـ وفيكتور كرم.

وكان من مهام اللجان البلدية حسب تعليمات مظفر باشا الحفاظ على شؤون الصحة العامة والتنظيم في العمران ومنع الغش، الى جانب صلاحيات أخرى واسعة جداً لا مجال لتعدادها هنا.

والمعلوم أيضاً أن مظفر باشا أعطى اللجان البلدية مهاماً جزائية، من أطرفها " مكافحة سب الدين".

فقد عمم في أواخر عهده قراراً جاء فيه : " أن سبات الدين أصبحت عادة متواترة بين الصغار والكبار. وهذا مغاير للدين وللآداب. فإستئصالاً لهذه العادة الوخيمة ، ولرفعها قطعياً، رئي من اللازم مجازاة الذين يتجاسرون على اقتراف سب الدين بالجزاء النقدي من ربع مجيدي الى ثلاثة أرباع الريال. وهذه المجازاة يحكم بها المجلس البلدي، إذا كان في القرية مجلس بلدي، وإلا فمشايخ القرى." 

وقد وقعنا على قرار صادر عن بلدية الحدت في جلسة يوم الثلاثاء الواقع في 14 تموز 1903 ، جاء فيه
" بتاريخه تقرر تغريم الأشخاص الآتية أسماؤهم بدفع الجزاء النقدي بسبب مخالفتهم الاوامر الصادرة بمنع سب الدين ، عن كل نفر ربع مجيدي... " وجاء في المحضر ستة وعشرون إسماً من جميع عائلات الضيعة تقريباً. وكان من بينهم إمرأة.

ولكن الى جانب الأخبار الطريفة ، عرفت الحدت مواقف شجاعة وبطلة عندما أعلنت أول عصيان مدني عرفه عهد المتصرفية.

ومفاد الخبر أنه مطلع القرن الماضي كان المتصرف نعوم باشا الذي كان يقيم مع حكومته في الحدت ، في حارة البطم مفتوناً بشق الطرق، وأمر من بينها بشق طريق بعبدا ـ الجمهورو.

ولما كانت الحكومة محتاجة الى المال لتنفيذ هذا المشروع لجأ المتصرف الى فرض ضريبة باهظة على قرى الساحل ومنها الحدت التي لم تكن لها علاقة مباشرة بهذا الطريق.ثارت ثائرة أهلنا، وتألفت لجنة من الاحرار للدفاع عن مال الشعب، كان من قوامها حبيب منصور يزبك وجورج أبي خرما عون وداوود مخائيل الشويري. وكان على رأسها شيخ الصلح ضاهر بطرس شرفان.فتلاقى جميع أهل البلدة وراحوا يقيمون الاجتماعات وينظمون التظاهرات معلنين العصيان ورفض تنفيذ أوامر الحكومة.ولكن الحكومة تمكنت في النهاية من جلب العديد من الحدتيين الى السجن ومنهم شيخ الصلح ضاهر شرفان. ولكن لا بأس. الحبس للرجال. والمهم أن أهالي الحدت لم يطأطئوا الرأس وظلوا يرفضون التدابير الظالمة. وأظنهم حتى اليوم على هذه الشيم قائمين.

أما مشايخ الصلح الذين أوجدهم نظام المتصرفية، فكانوا ينتخبون من الأهالي، أي من كل ذكر مقيم في البلدة بلغ الخامسة عشرة ويدفع ضريبة كاملة.وكانوا يتمتعون بصلاحيات واسعة منها
انتخاب أعضاء مجلس الادارة المركزي ( برلمان ذلك الزمان ) ، والمحافظة على الأمن ، والقضاء في النزاعات البسيطة وفي المخالفات وغيرها. وقد تعاقب على هذا المنصب في الحدت  كلٌ من : داوود سليمان منصور ( الحاج ) فارس منصور شاهين الكلاّب ـ فارس نمر يزبك الصايغ ـ يعقوب ميلان شبلي ـ الياس حنا بو شاهين ( كرم ) طانيوس الخوري بولس كرم ـ ضاهر بطرس شرفان.

وبالعودة الى أخبار البلدية ، وبعد أن صار أعضاؤها ينتخبون من الشعب منذ العام 1909، اليكم ما رواه الاستاذ فؤاد الخوري في كتابه " سوانح خمسين

قال : " خلال سنة 1917 جرى انتخاب أعضاء بلدية الحدت. ومع انصرافي عنه وقتئذ الى أعمالي، كنت في النتيجة في عداد الناجحين. ولما رفعت هذه النتيجة الى المتصرف بواسطة مدير القلم العربي في المتصرفية لتعيين رئيس البلدية من الأعضاء الناجحين في الانتخاب ، وضع اصبعه على اسم الحائز أكثر الأصوات منهم.فاذا به يقع على اسمي.فسأل عن مهنتي. فاجيب : إنها المحاماة.فأمر فوراً بكتابة مرسوم التعيين بهذا الاسم. فعرض له رئيس القلم أن التقليد الجاري هو أن تكون رئاسة البلدية لأحد الاعضاء من الطائفة الأكثر عدداً في البلدة، وهي المارونية في الحدت، وهذا العضو ليس منها

فأجابه : تطبيق القانون أولى. والمحامي أكثر خبرة من سواه بشؤون البلدية.

ويتابع الاستاذ فؤاد: جرى كل هذا دون أن يكون لي أي علم به. ولما أبلغت أمر التعيين بالصورة الرسمية ، امتنعت عن تسلم المهمة مراعاة لشعور أبناء بلدتي من الطائفة المارونية، وبقيت على هذا مدة الى أن أرهقني معظم أعضاء البلدية مراراً بالحاحهم علي لتسلم الوظيفة، وهم من الطائفة المارونية. فنزلت أخيراً على طلبهم" انتهى كلام الاستاذ فؤاد.

وهذا الحدث ، إن دلّ ، فيدل على أن هناك أعراف وتقاليد ترعى الحياة المشتركة بين الحدتيين وتؤمن التآخي والتآلف بين الطوائف لا سيما بين الموارنة والروم الارثوذوكس

ومن علامات هذا التآخي الماروني الأرثوذكسي الزيارة التي قام بها البطريرك الإنطاكي الأرثوذكسي غريغوريوس حداد لدير مار أنطونيوس.

فقبيل إندلاع الحرب العالمية الأولى، وبمناسبة زيارته الرعائية إلى الحدت أقيم له إستقبال حافل شارك فيه حشد كبير من أهالي البلدة الموارنة الذين رافقوه من كنيسة مار الياس إلى مار أنطونيوس. وقد أعدّ له الرهبان الأنطونيون إستقبالاً كنسياً بالحبريات والشموع والبخور والصنّوج. فسجلت هذه الزيارة إلى الحدت أول تلاق ٍ أخوي بين الإكليروس الأرثوذكسي والماروني.

والجدير بالذكر هنا أن البطريرك كان قد عرّج على مطرانية جبل لبنان للروم الأرثوذكس، التي كنا نسميها "القلاية"، وكانت مكان إعتزاز للحدت وأبنائها. أولاً لأن أركان الطائفة فضلوا بلدتنا على كل بلدات الجبل لتشييد المطرانية فيها بين عامي 1905 و1906. ثانياً لأنه، وكما يقول أستاذنا المرحوم فؤاد الخوري في كتابه "من مشارف المئة": لن يُنسى ما كان لأهل الحدت من إسهام في بناء هذا الدار. فمن لم تسعفه الحال على النقد، إستعاض بالعمل في مهنته كالنجار والحداد والمورّق والطراش والسنكري وغيرهم، أياماً وأسابيع".

إن مطرانية الروم الأرثوذكس قد دمرتها الحرب.

أما كنيسة السيدة شفيعة الحدت وأم الحدتيين التي شيدت منذ ما يقارب المئتين وخمسين سنة فقد دكتها، بقرار منا، مركبات البولدوزير (Bulldozer) وغيرها من آلات التدمير التي تخيّلنا أنها أدوات تعمير. وكان أجدادنا قد تعاونوا، بما للعونة من معان إجتماعية وتقاليد قروية، لبنائها حجراً حجراً.

وكانت هذه الكنيسة غالية على قلوب الحدتيين.

كان لا بد، بعد أن إزداد عدد سكان الحدت أضعافاً وأضعاف، أن تكون لهم كنيسة أم تضمهم جميعاً وتحتضنهم.

وحسناً ما فعل الذين تنادوا لبناء وإنجاز الكنيسة الجديدة. باركهم الله وجازاهم خيراً.

ولكن ألم يكن من الممكن بناء الكنيسة الجديدة من دون تدمير ومحو آثار الكنيسة القديمة التي إحتضنتنا وربتنا وحرستنا نحن وآباءنا والأجداد.

إني لواثق من حسن نية أهلنا الذين إرتأوا أنه كان لا بدّ من هدم الكنيسة القديمة لإتمام المشروع. وهذه وجهة نظر. لا سيما وأن السلطات الكنسية يومها كانت راضية عن هذا العمل.على أي حال، فإن ما حصل قد حصل.

 

 

 
 
@2017 بلدية الحدت | All Rights Reserved | Powered & Designed by Asmar Pro